|
الفصل الثامن
نظرة عامة وتأملات فى حياة وأعمال موسى
***
امتلأت حياة موسى بدروس عظيمة, ويستطيع مَنْ يَتأمَّلَها ببساطة قلب أن يستشعر فيها أطيب المعانى, ومن يدرسها بتخصص أن يُخْرِجَ منها كُنُوزاً روحيةً رائعةً, ولم يَفْتُر بَعْدُ عزمِ رجَالِ الله المعاصرين فى بحثِ حياة موسى واستخراج العِبَر والمُثُل القَيِّمَة.
تَميَّزَت شخصية موسى بعدة صفات منها :-
- موسى عبد الرب الأمين : نستطيع أن نلمس أمانة موسى وإخلاصه على امتداد أسفار الكتاب المقدس, إذ كانموسىكاملالولاءلله،وكانتأمانتهلربهفيتحقيقمايأمرهبهدائماًوأبداًمثلاًأعلىللمؤمنين.
فعندماكانفيمصركانيقدمعبادتهللهالواحد, حيث زرعت فيه أمه يوكابد معرفة الله،معأنالمصريينكانوايعبدونآلهةكثيرة.
وعندماذهبإلىمديانكانيفكرفياللهتفكيراًيملكعليهعقله،حتىأنهسمىابنهالثانيأليعازرلأنهقال: "إلهُأَبِيكَانَعَوْنِيوَأَنْقَذَنِيمِنْسَيْفِفِرْعَوْنَ" (خر18 :4).
وعندمادعاهاللهليخدمهبدأيطيعأوامرالله،ونفَّذتعليماتهتنفيذاًحرفياًبكلقلبه.
يقولكاتبالرسالةإلىالعبرانيينإنموسىكانأميناًفيكلبيتالله،ولكنبصفتهخادماً،وكانذلكشهادةفيماأعلنهاللهفيمابعد.
وكانتوصاياموسىلشعبهدائماًبالطاعةالكاملةلله. وعندماكانوايتذمرونعليهيقوللهم: لماذاتجربونالله؟وقاللهممرة "لماذاتتجاوزونقولالرب؟الربإلهكتتقي،إياهتعبدوبهتلتصق.هوصخركوهوإلهكالذيصنعمعكتلكالعظائموالمخاوفالتيأبصرَتْهاعيناك". وكثير من النصح لشعب إسرائيل فى هذه الشواهد (تث10 : 20), (تث11 : 22), (تث 13 : 4 ), (تث 30 : 20).
تميز موسى فى طاعته وأمانته لله عن غيره من رجال الله مثل أخنوخ وابراهيم وميزه الوحى الإلهى فى وصف سلوكه[1] :
أخنوخ : سار مع الله ( تك 5 : 22 , 23 ).
ابراهيم : سار أمام الله ( تك 17 : 1 ).
موسى : سار خلف الله ( تث 13 :4 ).
- موسى الراعى الشهم : لميكنموسىيحتملأنيؤذيأحداً،وكانيمديدالعونللجميع.وحتىعندماأقبلعلىقتلالمصريفعلذلكلأنهوجدالمصرييعتدىعلىالعبراني. وعندماذهبإلىمديانرأىسبعبناتأتينليسقينغنمأبيهن،ورأىالرعاةيطردونهن،فأنجدهنوسقىغنمهن. وعندماثارالشعبضدهفيمراتكثيرةكانيقفليتشفعفيالشعبالخاطئأمامالله.
- موسى الحليم : تشهدعنه نصوص الوحى المقدس : "وأماالرجلموسىفكانحليماًجداً،أكثرمنجميعالناسالذينعلىوجهالأرض" (عد12 : 3). إنموسىيقدملنانموذجاًفيالغفرانومحبة واحتمالالذينيسيئونإليه.
- موسىالمؤمن: رجلالإيمان, توضح الرسالة الى العبرانيين الدافع الإيمانى لدى موسى:-
بالإيمان موسى لما كبر أبى ان يدعى ابن ابنة فرعون (عب 11 : 24).
بالإيمان ترك مصر غير خائف من غضب الملك لانه تشدد كانه يرى من لا يرى (عب 11 : 27).
بالإيمان صنع الفصح و رش الدم لئلا يمسهم الذي أهلك الأبكار (عب 11 : 28).
- يقولكاتب الرسالة إلى العبرانيينعنه: بالإيمانموسىلماكبررفضأنيُدعىابناًلابنةفرعون،بلاختارأنيتحمل المشقةوالمذلَّةمعشعباللهبدلاًمنالتمتعبحياة الأمراء الفراعنة بما فيها من خطايا الوثنية وغيرها.فلقداعتبرأنتلقيالإهانةمنأجلالمسيحالآتي الذى رآه بعين الإيمان بوعود الله،ثروةأعظممنكنوزمصر الوقتية رغم بريقها،لأنهكانيتطلعإلىالمكافأة.بالإيمانتركأرضمصروهوغيرخائفمنغضبالملك،فلقدمضىفيتنفيذقرارهكأنهيرىبجانبهاللهغيرالمنظور.كانإيمانموسىباللهمطلقاًوكانتثقتهفياللهكاملةوعظيمةوقوية، فإنكانإبراهيمأباالمؤمنين،فإنموسىنموذجالمؤمنين. كانالربيكلمموسىوجهاًلوجه،كمايكلمالرجلصاحبه,لأنهصاحبالإيمانالكبيرالكاملبالله.
- موسىخادمالآخرين : وأيضاً هذه الصفةالعظيمةفي شخصيةموسى،هيأنهلميكنيفكرفينفسه،لكنفيغيرهدائماً. أعطته النشأة الأولى على يد أمه يوكابد شِبَعاً كاملاً فلم يكن بحاجة لإشباع ذاته, ولم تكندوافعهلعظمتهالشخصيةولالشهرته، لكنلخدمةاللهوخدمةالآخرين. فلم يكن هَيِّناً أنّهذاالأميرالمصريالعظيمالمثقفيصبحفجأةراعياًللأغنامفيمديان يرعى غنم الرجل الذى استضافه وآواه؟وبعدأربعينسنةمنعيشتهفيقصرفرعونيعيشأربعينسنةفيالصحراء،يرعىأغنام حميه كالأجير الفقير.
- موسى المحب لغيره المتشفع فى الآخرين: وتظهرمحبةموسىلغيرهوهويدفعأخاههارونليكونقائداً، بلإنهيصليللهطالباًأنيمحواللهاسمهمنكتابهالذيكتبفيسبيلالغفرانلإخوته، فكانأنأكرمهاللهبأنأبقىاسمهخالداً. لميطلبموسىلنفسهاسماًمشهوراً،ولامكانةلأولاده،ولميعيِّنخليفتهمنأفرادأسرته، لكنهتحتالإرشادالإلهياختاريشوعليخلفه، فاستحقاللقبالذيأطلقتهالتوراة "موسىرجلالله.. موسىعبدالرب"(تث 34 : 5). وأنيلقبهكاتبالمزاميربقوله "موسىمختارالرب" (مز 106: 23). لقد وقف موسى أمام الرب متشفعاً فى الشعب : "والآن إن غفرت خطيتهم والا فامحني من كتابك الذي كتبت"(خر32 :32).
موسى فى أسفار العهد القديم:-
موسى في سائر أسفار العهد القديم : يذكر اسم موسى أكثر من 600 مرة في أسفار الخروج – التثنية ، ونحو 133 مرة في باقي أسفار العهد القديم، منها 57 مرة في سفر يشوع. وأهم هذه الإشارات: يش 8: 30- 35، 24: 5 - 1 صم 12: 6-8 - 1 أخ 23: 14- 17 - مز 77: 20 99: 6، 105، 106 - إش 63: 11و12 - إرميا 15: 1 - دانيال 9: 11-13 - ميخا 6: 4 ملاخي 4:4 - هوشع 12: 13 (حيث لا يذكر اسم موسى صراحة).
وأينما ورد اسم موسى فى العهد القديم فإنه يلقى التقدير سواء فى التعبير المُستخدم عندذاك أو المناسبة التى يُذكر فيها.
موسى في أسفار العهد الجديد : -
كان كل اليهود والمسيحيين - في عصر الرسل- يؤمنون بأن موسى هو كاتب التوراة (الأسفار الخمسة)، كما نرى ذلك في "شريعة موسى" (لو 2: 22)، "وأوصى موسى" (مت 19: 7)، "لأن موسى قال" (مر 7: 10)، "وكتب موسى" (مر 12: 19). وكلها أدلة على صحة ارتباط اسمه بالأسفار المنسوبة إليه. ويذكر اسم موسى في العهد الجديد أكثر من اسم أي شخصية أخرى من شخصيات العهد القديم إذ يذكر 79 مرة، وبخاصة لدوره في إعطاء الشريعة (مت 8: 4، مرقس 7: 10، يو 1: 17، أع 15: 1). ويظهر موسى على جبل التجلي مع الرب يسوع ممثلاً لناموس العهد القديم، مع إيليا ممثل الأنبياء (مت 17: 1-3).
كما يذكر موسى كنبي ، فقد تنبأ بمجئ المسيا وآلامه (لو 24: 25- 27، أع 3: 22). كما يستشهد العهد الجديد بالكثير من حياة موسى واختباراته كنماذج للحياة في العهد الجديد. وقصة ميلاد المسيح بها الكثير من وجوه الشبه مع قصة ميلاد موسى، فكلاهما نجا في طفولته من خطر القتل (مت 2: 13- 18- مع خر 2: 1- 10). كما أن موعظة المسيح على الجبل، تقابل إعطاء موسى للشريعة على جبل سيناء (مت 5-7)، فهى تقدم الرب يسوع كصاحب السلطان في إعلان مشيئة الله. ونجد فى رسالة غلاطية مقارنة بين الناموس القديم، والعلاقة الجديدة مع الله في المسيح يسوع. والمقابلة بين موسى والمسيح موضوع بارز في الرسالة إلى العبرانيين (3: 5و6، 9: 11-22). ويقول الرسول يوحنا: "الناموس بموسى أعطى، أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا" (يو 1: 17). كما يقول إن المن النازل من السماء في البرية، كان رمزاً للرب يسوع المسيح, خبز الحياة الحقيقي النازل من المساء (يو 6: 30- 35).
وهناك إشارات عديدة إلى موسى أو إلى أحداث ترتبط به، مثل مولده (أع 7: 20، عب 11: 23)، والعليقة المشتعلة(لو 20: 37)، وسحرة مصر(2 تي 3: ، والفصح(1 كو 5: 7 ، عب 11: 28)، والخروج(1 كو10: 1 ,2 ,عب 3: 16)، وعبور البحر الأحمر(1 كو10: 1 ، عب11: 29)، والمن(1 كو 10: 3)، والمجد على وجه موسى(2 كو 3: 7-18)، والماء من الصخرة (1 كو 10: 4)، والحية النحاسية (يو 3: 14)، وترنيمة موسى (رؤ 15: 3).
موسى كاتب الأسفار الخمسة:-
** موسى هو كاتب التوراة (الأسفار الخمسة) وقد توارث اليهود هذه المعلومة عن أصل الكتب الخمسة ووثقوا فى صحة نسبها لموسى، كما نرى ذلك في الإشارات العديدة بكل من:
- العهد القديم مثل:(يش 8: 30- 35، 24: 5 ),(1 صم 12: 6-8 ),(1 أخ 23: 14- 17),(مز 77: 20 , 99: 6، 105، 106),(إش63: 11و12 ),(إر15: 1),(دا 9: 11-13),(مى6: 4 ) و(ملا 4:4 )
- وفى العهد الجديد ترد بعض التعبيرات مثل: "شريعة موسى" (لو 2: 22)، "وأوصى موسى" (مت 19: 7)، "لأن موسى قال" (مر 7: 10)، "وكتب موسى" (مر 12: 19).
وتكررت عبارة "موسى والأنبياء" وعبارات أخرى تقيم سنداً من كتب موسى, وكلها أدلة على صحة ارتباط اسمه بالأسفار المنسوبة إليه.
** تدل جميع الإشارات بأسفار العهد الجديد على:-
- ثقة أهل العصر الرسولى الأول فى صحة نسب الكتب الخمسة لموسى.
- سلامة وحى هذه الكتب.
- جميع ما سبق من أجيال اليهود كان له نفس الرأى والموقف.
- الأجيال السابقة حفظت واحترمت وتعلمت من هذا التراث الكتابى.
- قام العديد من الدارسين اليهود بفحص ودراسة الكتب بتدقيق بل مغالاة فى التدقيق حتى اللفظى لكل كلمة.
** تمت كتابة الأجزاء التى تحدثت عن موت موسى ونهاية أعماله بواسطة كتاب آخرين لايذكر الوحى المقدس عنهم شيئاً, لكن لم يكن هناك شك فى صدق مصدرها الإلهى والوحى بها لدى القدماء وعلى مر العصور حتى إتخذت أسفار موسى صورتها النهائية على يد عزرا فى القرن الرابع قبل الميلاد.
إشكالية تداخل نصوص الوحى والتراث الأدبى والأسطورى:-
هذه النقطة بالتحديد تشكل أهمية قصوى لدى كل باحث فى صحة نصوص الوحى المقدس عموماً وليس فقط أسفار موسى, وهى بكل تأكيد حجر زاوية مما يقوم عليه الإيمان المسيحى, ولا أرى أهمية أخرى للبحث فى جوانب الإيمان المسيحى تعادل أهمية هذا الأمر. وليس من الإنصاف أن نبتر هذا الموضوع أو أن نختزله فى فقرة فى سياق البحث فى إتجاه آخر, بل يليق أن يتسع المجال للأمر فى عمل مستقل.
وقد ذهب عدد من الباحثين إلى أنه بتحليل النصوص وتطبيق قواعد النقد الأدبى لنصوص كتب موسى الخمسة, فإن هذه الكتب ليست بنت لحظة عمل واحد[2] بل هى انتاج تراث ثقافى روحى, وقد إكتشف النقد الأدبى- كما ترى هذه المدرسة- وجود أعمال أدبية مختلفة بل مجموعات من المؤلفين.
وقد تم تقسيم نصوص الكتب الخمسة حسب إنتمائها- برأى هذه المدرسة- الى ثلاثة إنتماءات:
1. نصوص يهوية: وهى التى يرد فيها إسم الله بصيغة "يهوة", وهى تتضمن الإستعانة بالقصص الأدبى والأسطورى لتوصيل المعنى, فقد استعانت بأساطير وصور ورموز أدبية مصرية وبابلية. كما أن هذه النصوص تربط الأحداث التاريخية بعضها ببعض وتنظمها فى إطار مشروع الله بواسطة نظرية "السببية الدينية" أو "الغائية الدينية" التى تكشف فى كل حدث منفرد عن القصد الإلهى العام الشامل. ويذهب أصحاب هذه المدرسة إلى أن هذه النصوص قد وُضِعَت فى عصر سليمان(القرن العاشر ق.م.).
2. نصوص إيلوهية: وبها مجموعة من النصوص يطلق عليها "الوثيقة الإيلوهية" لإستعمالها كلمة "إيلوهيم", وتمتاز هذه النصوص بالنزعة الأخلاقية فى أسلوب قصصى بسيط, ويشدد على أهمية الشريعة, ويلح على كون الله روحاً لا يُرَى وعلى ضرورة العبادة الروحية, كما يركز على العهد الذى قطعه الله مع الشعب.
3. نصوص كهنوتية: وتمثل تراث الفئة الكهنوتية التى عاشت فى بابل لدى السبى (586-538 ق.م.), ويشدد على الطقوس الموروثة والتراث القديم باعتبارهما الواقى من تأثير العبادات الوثنية فى الأرض الغريبة وقت السبى. ويتضح فيها فكرة العهد حيث قطع الله مع الناس ثلاثة عهود؛ بين الله وجميع البشر عند نوح, ثم بين الله وابراهيم, ثم بين الله والشعب على يد موسى.
هكذا نرى أهمية التدقيق فى هذا الطرح ومن ثَمَّ ضرورة إفراد بحث بإتجاه مستقل لدراسة وتوضيح مدى سلامة النصوص المقدسة من غزو مُفتَرَض للأدب الأسطورى القديم أو تأثُّر النص المقدس بالتراث الأدبى الإنسانى عبر التاريخ.
ويَبْقَىَ أنَّ موسى هو رجل الله الذى جاءت على يديه الشريعة والإعلان الإلهى المكتوب, ويدين له اليهود وكل البشر بالفضل فى وجود التوراة وما تتضمنه من حق كتابى نؤمن بمصدره الإلهى, وبسلطان الله المعلن فيه, وبوعود الله بالخلاص التى تحققت فى صليب رب المجد يسوع المسيح.
ولم يَقُمْ بَعْدُ نَبِىٌّ في ِإسْرَائِيلَ مِثْلُ مُوسَى الَّذِي عَرَفَهُ الرَّبُّ وجْهاً لِوَجْهٍ
(تث34: 10)
[1] - عصام خليل, طعام وتعزية 2006 . قراءة 9/3 .
[2]- روبير بندكتى, التراث الإنسانى فى التراث الكتابى . ص12 التوراة بين النص والتراث.
|