|
الفصل السادس
الشريعة وتنظيم العبادة
***
كان موسى مرحلة رئيسية من مراحل تطور معاملات الله مع الإنسان, فَقَبْلَهُ عندما لم يكن للإنسان ناموس؛ كان الإنسان ناموساً لنَفْسِهِ, وعامل الله الإنسان بنعمةٍ, ثم تم تقنين ونومسة شريعة العلاقة بين الله والإنسان والتى كان لإسرائيل رغبةً فيها. وعلى صرامة وصعوبة الشريعة إلاَّ أنها كانت مطلوبة فى هذه المرحلة من النمو الإنسانى, وكانت كافية لإثبات عجز الإنسان عن الوصول للصورة الكاملة النقية, الخالية من أى خلل أمام الله كلِّىّ القداسة. وقد قدمت الشريعة فلسفةً كانت أسبق وأسمى من فلسفات اليونان كما عَلَّمَ ونادى بذلك الفيلسوف اليهودى[1] "فيلون الإسكندرى" (30 قبل الميلاد - 50 بعده).
كما قدمت الشريعة رُقِيّاً عظيماً لنظام المجتمعات وإدارة شئون الشعوب, على غير ما كانت فيه شعوب مثل مصر الفرعونية التى كان الفرعون فيها مع الكهنة هم القانون والنظام, والصين القديمة[2] التى قام نظام واستقرار المجتمع فيها على أسس من السلطة فى يد الحاكم تقيس الصواب والخطأ كما يراه الرئيس أو الشخص الأول ويسمى بمبدأ "تحقيق الذاتية مع الأرفع منزلة", وقد نادى فلاسفتها بسوء الفطرة البشرية ووجود النزعة التسلطية, مثل: "موتزو" و"هسون تزو". كما نادت "التاوية" بمبدأ: "أفرغ عقول الناس واملأ بطونهم, أضعف إرادتهم وقوِّ عظامهم".
الوصايا العشر :-
بعدثلاثةشهورمنخروجبنيإسرائيلمنمصر،وصلواإلىبريةسيناء.وهيالأرضالمعروفةاليومباسم (واديالراحة)،وأقاموافيسهلطولهثلاثةكيلومتراتوعرضهكيلومترواحد،تحيطبهسلسلةمنجبالمنحجرأسودوأصفر. ويُعرفبعضأقسامذلكالجبلفيطرفالصحراءباسم(رأسالصفصافة)وهوهضبةيكثرعليهاالشجرالذيينموفيكلموضع.
وصعدموسىإلىاللهإلىجبلسيناء،فناداهالربمنالجبلوقالله: " أَنْتُمْرَأَيْتُمْمَاصَنَعْتُبِالْمِصْرِيِّينَوَأَنَاحَمَلْتُكُمْعَلَىأَجْنِحَةِالنُّسُورِوَجِئْتُبِكُمْإِلَيَّ "(خر19:4). لقد أنقذهماللهمنالشدائدوالأخطار،وجاءبهمإليه،ليعبدوهبعيداًعنالعبادةالوثنية. ثمقالاللهلموسى: "الآنَإِنْسَمِعْتُمْلِصَوْتِيوَحَفِظْتُمْعَهْدِيتَكُونُونَلِيخَاصَّةًمِنْبَيْنِجَمِيعِالشُّعُوبِ. فَإِنَّلِيكُلَّالأَرْضِ. وَأَنْتُمْتَكُونُونَلِيمَمْلَكَةَكَهَنَةٍوَأُمَّةًمُقَدَّسَةً " (خر5:19 ).
بعدأنسمعموسىهذهالكلماتعلىالجبلجمعشيوخبنيإسرائيلمعاً،فتعهدواأنيفعلواماأمرالرببه. وعنطيبخاطرقالواإنهمسيحفظونشريعةالله.لكنهم لم يتنبهوا إلى طبيعة الشعب العاصى.
وقالالربلموسىإنهسيخاطبهفيالسحاب،فيؤمنالشعبأنالربحقاًهوالذيتكلم. وطلباللهمنالشعبأنيستعدوالذلكاليومالعظيم،وأنيقدسواأنفسهمجسداًوروحاً،لأنالربسينزلفياليومالثالثإلىجبلسيناء،حيثيجتمعالشعبعندسفحالجبل،وكلمنيمسالجبليموت.وفيهذاإعلانلقداسةالله(خر19: 10-13) .
ونزلموسىمنعلىالجبلوقدسالشعب،فغسلواثيابهم. وحدثفيصباحاليومالثالثأنهصارترعودوبروقوسحابثقيلعلىالجبل،وصوتبوقشديدجداً،فارتعدكلالشعبالذيفيالمحلة. وأخرجموسىالشعبليلاقواالرب،فوقفوافيأسفلالجبل. وكانجبلسيناءكلهيدخنمنأجلأنالربنزلعليهبالنار،فكانصوتُالبوقيزداداشتداداًوموسىيتكلمواللهيجيبهبصوتيسمعهالشعبكله.
ثمصعدموسىإلىالجبلليستمعإلىاللهيكلمهويعطيه الوصايا: "أَنَاالرَّبُّإِلهُكَالَّذِيأَخْرَجَكَمِنْأَرْضِمِصْرَمِنْبَيْتِالْعُبُودِيَّةِ. لايَكُنْلَكَآلِهَةٌأُخْرَىأَمَامِي. لاتَصْنَعْلَكَتِمْثَالاًمَنْحُوتاًوَلاصُورَةًمَامِمَّافِيالسَّمَاءِمِنْفَوْقُ،وَمَافِيالأرْضِمِنْتَحْتُ،وَمَافِيالْمَاءِمِنْتَحْتِالأَرْضِ. لاتَسْجُدْلَهُنَّوَلاتَعْبُدْهُنَّ،لأَنِّيأَنَاالرَّبَّإِلهَكَإِلهٌغَيُورٌ،أَفْتَقِدُذُنُوبَالآبَاءِفِيالأبْنَاءِفِيالْجِيلِالثَّالِثِوَالرَّابِعِمِنْمُبْغِضِيَّوَأَصْنَعُإِحْسَاناًإِلَىأُلُوفٍمِنْمُحِبِّيَّوَحَافِظِيوَصَايَايَ,لاتَنْطِقْبِاسْمِالرَّبِّإِلهِكَبَاطِلاً،لأَنَّالرَّبَّلايُبْرِئُمَنْنَطَقَبِاسْمِهِبَاطِلاً. اُذْكُرْيَوْمَالسَّبْتِلِتُقَدِّسَهُ. سِتَّةَأَيَّامٍتَعْمَلُوَتَصْنَعُجَمِيعَعَمَلِكَ،وَأَمَّاالْيَوْمُالسَّابِعُفَفِيهِسَبْتٌلِلرَّبِّإِلهِكَ. لاتَصْنَعْعَمَلاًمَاأَنْتَوَابْنُكَوَابْنَتُكَوَعَبْدُكَوَأَمَتُكَوَبَهِيمَتُكَوَنَزِيلُكَالَّذِيدَاخِلَأَبْوَابِكَ.لأنْفِيسِتَّةِأَيَّامٍصَنَعَالرَّبُّالسَّمَاءَوَالأَرْضَوَالْبَحْرَوَكُلَّمَافِيهَا،وَاسْتَرَاحَفِيالْيَوْمِالسَّابِعِ. لِذلِكَبَارَكَالرَّبُّيَوْمَالسَّبْتِوَقَدَّسَهُ. أَكْرِمْأَبَاكَوَأُمَّكَلِتَطُولَأَيَّامُكَعَلَىالأَرْضِالَّتِييُعْطِيكَالرَّبُّإِلهُكَ. لاتَقْتُلْ. لاتَزْنِ. لاتَسْرِقْ. لاتَشْهَدْعَلَىقَرِيبِكَشَهَادَةَزُورٍ. لاتَشْتَهِبَيْتَقَرِيبِكَ. لاتَشْتَهِامْرَأَةَقَرِيبِكَوَلاعَبْدَهُوَلاأَمَتَهُوَلاثَوْرَهُوَلاحِمَارَهُوَلاشَيْئاًمِمَّالِقَرِيبِكَ " ) خر20: 2-17).
غياب موسى فى الجبل وإقامة العِجْل:-
صعدموسىإلىجبلسيناءوقضىهناكأربعينيوماًفيمحضرالله،أعطاهاللهُفينهايتهالوحيالحجر،مكتوبعليهماالوصاياالعشر.فوضعموسىهذيناللوحينفيالتابوتالذيكانفيقدسالأقداس،فيخيمةالاجتماع. وبعدأنانتهىالله منالحديثمعموسىعلىجبلسيناء،أعطاه "لوحيشهادة"أيلوحيحجرمكتوبَيْنبإصبعالله.
وكانموسىقدأمرالشعبقبلأنيصعدإلىالجبلأنيرفعواالمشاكلالتييصادفونهاأثناءغيابهإلىهارونوحور،فاجتمعالشعبكلهعلىهارونوقالواله: "اصْنَعْلَنَاآلِهَةًتَسِيرُأَمَامَنَا،لأَنَّهذَامُوسَىالرَّجُلَالَّذِيأَصْعَدَنَامِنْأَرْضِمِصْرَلانَعْلَمُمَاذَاأَصَابَهُ " (خر32: 1-6).
وكان الشعب متأثراً بعبادة المصريين[3] للعجل "أبيس Apis" والتى كانت من أقدم عبادات الحيوان فى مصر, وكان مركزها "منف" وقد ارتبطت عبادته أيضاً بكبار الآلهة مثل "رع" و "أوزوريس", وتوجهوا إلى هارون ليصنع لهم مثله.
وعندماسمعهارونطلبالشعبأنيصنعلهمإلهاً،حاولأنيعطلهمويمنعهمعنعبادةالأوثانفقاللهم "انْزِعُواأَقْرَاطَالذَّهَبِالَّتِيفِيآذَانِنِسَائِكُمْوَبَنِيكُمْوَبَنَاتِكُمْوَأْتُونِيبِهَا" (خر32: 2). لميستطعهارونأنيثنيالشعبعنطلبهمبطريقةمباشرة،فظنأننساءهموأولادهملايسمحونلهمبأنيقدمواأقراطالذهبالتيفيآذانهم.ولكنلدهشةهاروننزعكلالشعبأقراطالذهب،وأخذهارونمنهمالذهبوصبَّهعِجلاً،ثمأخذيصوّرهبالإزميلويصنعهكماكانالمصريونيصنعونالعجل"أبيس Apis"الذيكانمعبده الرئيسىفي"ممفيس".
وعندما رأىالشعبالعجلالذهبيبدأوايهتفونكلهم "هذِهِآلِهَتُكَيَاإِسْرَائِيلُالَّتِيأَصْعَدَتْكَمِنْأَرْضِمِصْرَ" )خر32: 4). وبعدأنصنعلهمهارون العجلالذهبي،صنعللعجلمذبحاًمنالحجارة،ووضعهأمامالعجل،وقالهارونللشعب "غداًعيدليهوه". لكن الشعب عَبَد العجل وأكلوا وشربوا ثم قاموا لِلَّعِب[4].
موسى يتشفع فى شعبه أمام الله :-
عندما صنع الشعب العجل الذهبى لعبادتهقالاللهلموسى: "اذْهَبِانْزِلْ لأَنَّهُقَدْفَسَدَشَعْبُكَالَّذِيأَصْعَدْتَهُمِنْأَرْضِمِصْرَ ... وَقَالَالرَّبُّلِمُوسَىرَأَيْتُهذَاالشَّعْبَوَإِذَاهُوَشَعْبٌصُلْبُالرَّقَبَة".ثمقالاللهلموسى " فَالآنَاتْرُكْنِيلِيَحْمَىغَضَبِيعَلَيْهِمْوَأُفْنِيَهُمْ،فَأُصَيِّرَكَشَعْباًعَظِيماً " (خر 32: 9-14).
لقد أعلن الله غضبه على الشعب الذى سرعان ما نسى كل ما حدث معه فى الخروج من أرض العبودية وكيف كانت ذراع الرب قوية لخلاص بنى اسرائيل, وكيف أعالهم الرب فى مسيرهم طوال هذا الوقت,وهذايعنيأناللهسيفنيبنيإسرائيلويقيممننسلموسىشعباًجديداً, ولكنموسىبدأيتشفَّعفيشعبه،فقاللله "لِمَاذَايَارَبُّيَحْمَىغَضَبُكَعَلَىشَعْبِكَالَّذِيأَخْرَجْتَهُمِنْأَرْضِمِصْرَبِقُوَّةٍعَظِيمَةٍوَيَدٍشَدِيدَةٍ ..."(خر32: 7-14).
هنانجد موسى يتشفع بكل وجدانه عن شعبه الخاطئ أمام الله, فوقف يطلب الصفح وقد ربطه بوجوده قائلا "وإلاَّ فامحنى من كتابك الذى كتبت" (خر32:32).
ثم عندما أغضبوا الرب مرة أخرى, ورفضوا التقدم نحو أرض الكنعانيين والعمالقة, بل فكروا فى العودة إلى مصر خوفاً وعدم ثقة فى الله عاد يتشفع أيضاً فيهم: "ولماذا أتى بنا الرب إلى هذه الأرض لنسقط بالسيف تصير نساؤنا وأطفالنا غنيمة أليس خيراً لنا أن نرجع إلى مصر, فقال بعضهم إلى بعض نقيم رئيساً ونرجع إلى مصر"(عد14: 3, 4),وقال الرب "إني أضربهم بالوبا وأبيدهم وأصيرك شعباً أكبر وأعظم منهم ... فقال موسى للرب ... إصفح عن ذنب هذا الشعب كعظمة نعمتك و كما غفرت لهذا الشعب من مصر الى ههنا" (عد14: 11-19).
لقد ترافع موسى عن الشعب أمام القضاء الإلهى, وفى مرافعته دفع ببساطة شديدة بأن إهلاك الشعب لن يكون لمجد الرب أمام الشعوب, وأن اسمَ الرب الذى دُعِىَ على هذا الشعب لا بد أن يتمجد بهم وبوجودهم.
مرافعة بسيطة منطقية ومُتْقَنَة جِدّاً.
وتشفع أيضاًعندما تذمرالشعب عليه هو وهارون, وأرسل هارون ليصعد بخوراً للتشفع, فاستجاب الرب.
صدمة موسى وتحطيم لوحى الشريعة:-
وعندمانزلموسىمنعلىالجبلكانلوحاالشريعةفييده،مكتوبينعلىجانبيهماواللوحانصنعةالله،والكتابةكتابةاللهمنقوشةعلىاللوحين.وعندمااقتربموسىمنمعسكربنيإسرائيلأبصرالعجلالذييعبدونه،ورآهميرقصونأمامه،فغضبغضباًشديداً،وطرحاللوحينمنيديهوكسَّرهمافيأسفلالجبل. ثمأخذالعِجلالذيصنعوهوأحرقهبالنار،وطحنهحتىصارناعماً،وذرَّاهعلىوجهالماءثمسقىبنيإسرائيل.ووبخموسىهارونأخاهتوبيخاًشديداً،لأنهخضعلمطالببنيإسرائيل،وصنعلهمالعجلالذهبي.
وبعدذلكأمرموسىبنيلاويأنيقتلواكلالذينرفضواأنيعودواإلىعبادةاللهواستمروايعبدونالوثن،فقتلموسىنحوثلاثةآلافرجلأصرُّواأنيستمروافيعبادةالأوثان.
البرقع على وجه موسى:-
"ولما فرغ موسى من الكلام معهم جعل على وجهه برقعا, و كان موسى عند دخوله امام الرب ليتكلم معه ينزع البرقع حتى يخرج ثم يخرج و يكلم بني اسرائيل بما يوصى, فاذا رأى بنو اسرائيل وجه موسى ان جلده يلمع كان موسى يرد البرقع على وجهه حتى يدخل ليتكلم معه" (خر 34: 33-35).
بعد المرة الثانية التي مكث فيها موسى على الجبل، عندما نزل من الجبل كان جلد وجهه يلمع (خر 34: 29- 35) مما جعل هارون وجميع الشعب يخافون أن يقتربوا إليه… "فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الكَلامِ مَعْهُم، جَعَلَ علَى وجْهِهِ بُرْقُعاً " (خر 34: 33). ويعطينا الرسول بولس تفسيراً لهذا بالقول: "وليْسَ كمَا كانَ موسَى يَضَعُ بُرْقُعَاً علَى وَجْهِهِ لكَي لاَ يَنْظُرَ بَنو إِسْرَائِيل إلَى نِهَاية الزَّائِلَ" (2 كو 3: 13)، حيث أنه وهو في محضر الله كان جلد وجهه يلمع في كلامه معه، من انعكاس بهاء محضر الله على وجهه ( بمقارنة: مت 17: 2، أع 9: 3، رؤ1: 14).
إقامة خيمة الإجتماع:-
صعدموسىإلىالجبلبناءًعلىاستدعاءالله،وهناكأعطاهاللهتفصيلاتالمسكنالذييجبأنيبنيهليتعبَّدفيه الشعب. وأعطىاللهموسىتفصيلاتكاملةعنطرقالبناء،وأنواعالموادالتييستخدمهافيالبناء.وأمرموسىالشعبأنيقدمواللهمايملكونمنالموادالمختلفةلبناءالمسكنالذيسيُستخدمللعبادة,والمذبح المقدس الذى ستقدم عليه الذبائحإلىاللهشكراً له على كل أعمال صلاحه مع الشعب.( خروج35).
وقد مَيَّزَ الوحى المقدس مذبح الله عن مذابح آلهة الأمم, وفى العهد الجديد عندما ذكر مذبح الإله المجهول فى آريوس باغوس (اع17: 23) استخدم كلمة (فوموسVomoss ) وقد استخدمها هذه المرة فقط, بينما مذبح الله: (ثيسياستيريون Thyssiastirion)[5] وقد وردت 23 مرة.
إنعبادةالإلهالحقيقيتتطلبمكاناًخاصاًللعبادة،وإذيوضعهذاالمسكنوسطمعسكربنيإسرائيل،يدلعلىأناللهيجبأنيحتلمكانالصدارةفيقلوبشعبه،لأنهيجبأنيسكنوسطشعبه. وقدسُميهذاالمسكن"خيمةالاجتماع"لأنالربيجتمعفيهبشعبه،وقالاللهلموسى: انظر،اصنعهاعلىمثالهاالذيأظهرلكفيالجبل. ويقولكاتبالرسالةإلىالعبرانيين أن هذاواضحمنقولاللهلموسىقبلأنيصنعخيمةالعبادة،إذأوحىإليهقائلاً: انْظُرْأَنْتَصْنَعَكُلَّشَيْءٍحَسَبَالْمِثَالِالَّذِيأُظْهِرَلَكَفِيالْجَبَلِ ) عب8:5).
ولم تكن خيمة الإجتماع ورموز مكوناتها إلاَّ تعبيراً عن المسيح وعمل الفداء بالصليب.
ولقدقدمالشعبموادالبناءتبرعاًواختياراً،فقدطلبالربمنموسىأنيدعوالشعبقائلاً: مِنْكلِّمنيحثُّهقلبُهتأخذونتقدمتي. لذلك فإنبنيإسرائيلكانوايجيئونإلىموسىبكلشيءتبرعاًكلصباح. وقدتبرعالشعببوفرةوسخاء،حتىجاءالمشرفونعلىالعمل،كلالحكماءالصانعينعملالمسكنالمقدس،كلواحدمنعملهالذيهميصنعونه،وقالوالموسى: يَجِيءُالشَّعْبُبِكَثِيرٍفَوْقَحَاجَةِالْعَمَلِلِلصَّنْعَةِالَّتِيأَمَرَالرَّبُّبِصُنْعِهَا )خر36: 5( .
وقد أعطىالله حكمةلرجلينهمابصلئيلوأهوليآب،وعددكبيرمنالصناعالمهرة،ليقوموابتنفيذالنموذجالذىأعلنهاللهلموسىعلىالجبل,بحسبكلماأمرالرب "بِحَسَبِ كُلِّ مَا أَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى هَكَذَا صَنَعَ بنو اِسْرَائِيلَ كُلَّ العَمَلَ " (خر39: 42).فقدأعطىاللهالأوامربخصوصطريقةالبناء،وقدمالشعبموادالبناء،ومنحاللهحكمةمنعندهللذينسينفذونالخطةالمقدسةلينفذواالمثالالذيقدمهلموسى،فأكملواإقامةخيمةالاجتماع،مكانالعبادة. وفييومتدشينالمكانللعبادة، قدمالشعبقرابينكثيرةمتنوعة، تَقْدِمَةًللربإعلاناًلحبهمله. وقد أورد الوحى المقدس جميع تفاصيل العمل فى الأصحاحات:(خر36–39).
مواقف صعبة لموسى :-
** زواجه من المرأة الكوشية : عندما تزوج موسى من المرأة الكوشية واجه انتقادات من أخيه هارون وأخته مريم, وزادا على الانتقاد قولهما: "هَلْ كَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى وَحْدَهُ؟ أَلَمْيُكَلِّمْنَانَحْنُأَيْضاً؟". وغضب الرب لذلك, واستدعى هارون ومريم الى خيمة الإجتماع وقاللهما: "اسْمَعَاكَلَامِي. إِنْكَانَمِنْكُمْنَبِيٌّلِلرَّبِّ،فَبِالرُّؤْيَاأَسْتَعْلِنُلَهُ. فِيالْحُلْمِأُكَلِّمُهُ. وَأَمَّاعَبْدِيمُوسَىفَلَيْسَهكَذَا،بَلْهُوَأَمِينٌفِيكُلِّبَيْتِي. فَماًإِلَىفَمٍوَعَيَاناًأَتَكَلَّمُمَعَهُ... فَلِمَاذَالاتَخْشَيَانِأَنْتَتَكَلَّمَاعَلَىعَبْدِيمُوسَى؟". وكان أن أصيبت مريم بالبرص, أما موسى فقد صلى وتشفع فيها عند الله حتى ذهب عنها البرص.
** صراع على خدمة مسكن الرب : ثلاثة رجال انتقدوا موسى وهارون أحدهم قورح ابن عمهما،أماالآخرانفهما:"داثان"و"أبيرام". وقالهؤلاءالثلاثةلموسىوهارون: "كفاكما, إنكلالجماعةبأسرهامقدسةفيوسطهاالرب. فمابالكماترتفعانعلىجماعةالرب؟. وانضمإلىهؤلاءالثلاثةمئتانوخمسونمنقادةبنيإسرائيل. فطلبموسىمنالثائرينضدهأنيأتيكلواحدمنهمبمجمرتهويضعفيهابخوراً،كماأنهارونوبنيهيأتونبمجامرهمويضعونفيهابخوراً،ثميقفونأمامبابخيمةالاجتماعمعموسىوهارون،وينتظرونجميعاًأنيعلنالربعنالشخصالذياختارهلخدمته. فَقَالَالرَّبُّلِمُوسَىوَهَارُونَ افْتَرِزَامِنْبَيْنِهذِهِالْجَمَاعَةِفَإِنِّيأُفْنِيهِمْفِيلَحْظَةٍ,فخرَّموسىوهارونعلىوجهيهماوقالا: اللّهُمَّإِلهَأَرْوَاحِجَمِيعِالْبَشَرِ،هَلْيُخْطِئُرَجُلٌوَاحِدٌفَتَسْخَطَعَلَىكُلِّالْجَمَاعَةِ؟فَقَالَالرَّبُّلِمُوسَى: كَلِّمِالْجَمَاعَةَقَائِلاًاطْلَعُوامِنْحَوَالَيْمَسْكَنِقُورَحَوَدَاثَانَوَأَبِيرَامَ,وكانأنالأرضانفتحتوابتلعتهؤلاءجميعاًأحياءإلىالهاوية،حتىارتعبالناسالمحيطونبهمقائلين:"لَعَلَّالأَرْضَتَبْتَلِعُنَا",وَخَرَجَتْنَارٌمِنْعِنْدِالرَّبِّوَأَكَلَتِالْمِئَتَيْنِوَالْخَمْسِينَرَجُلاًالَّذِينَقَرَّبُواالْبَخُورَ(عد16: 21- 35).
وهناتذمركلجماعةبنيإسرائيلعلىموسىوهارونقائلين: أنتماقتلتماشعبالرب . فذهبموسىوهارونإلىخيمةالاجتماعفغطتهماالسحابةرمزاًلحضورالربفيها،وقالالربلموسىوهارون: اطلعامنوسطهذهالجماعة،فإنيأفنيهمفيلحظة. فخرموسىوهارونعلىوجهيهما،وقالموسىلهارون: خذالمجمرةواجعلفيهاناراًمنعلىمذبحالرب،وضعبخوراً،واذهببهمامسرعاًإلىبنيإسرائيلوكفِّرعنهم،لأنالربقدغضبعليهمغضباًشديداً،وبدأيضربهمبالوبأ: فاستجاباللهوامتنعالوبأعنالشعب.
وقالالربلموسى: علىكلرئيسمنرؤساءأسباطإسرائيلأنيأتيبعصا،ويكتبكلواحداسمهعلىعصاه،واسمهارونتكتبهعلىعصالاوي،ولتوضعهذهالعصيكلهافيخيمةالاجتماع،والرجلالذييختارهالربتُخرجعصاهاليابسةأغصاناًخضراء, وفعلواذلك(عد 17: 1- 5 ).
وفياليومالتاليدخلموسىإلىخيمةالاجتماعوإذاعصاهارونقدأفرخت,أخرجتأغصاناًوأزهرتزهراً،وأنضجتلوزاً.فأخرجموسىجميعالعصيمنأمامالربإلىجميعبنيإسرائيل،فأخذكلواحدمنهمعصاه. هكذا جاء إعلان الرب لهارون وبنيه رعاةً لمسكن الرب وقائمين على شئون بيت الرب.
** ضرب الصخرة بدلاً من أن يكلمها : مرة أخرى موسى يفقد أعصابه, فقدأمَرَهاللهأنيُكَلِّمالصخرةلتُخرجماءيشربمنهالشعبالعطشان،ولكنموسىفيغضبلميكلمالصخرة،بلضربهامرتين.وتقولالقصةإنبنيإسرائيلجاءواإلىبريةسينفيالشهرالأولمنالسنةالأربعينلخروجهممنأرضمصر،وأقاموافي" قادش" فترةطويلة. وهناكماتتمريمأختموسىوهارونودفنوهاهناك.
وربماكانموسىمتأثراًلموتأخته مريم،كماكانمتضايقاًمنهذاالشعبالذيلايشكرأبداً.فجمعموسىوهارونبنيإسرائيلجميعاًأمامالصخرة،وقاللهمفيغضب: اسمعواأيهاالمَرَدَة،أَمِنهذهالصخرةنُخرجلكمماء؟.ورفعموسىيدهوضربالصخرةبعصاهمرتين،فخرجماءغزير،فشربتالجماعةومواشيها.
وقد سبق أن ضَرَبَ موسى الصخرة مرّةً قبل ذلك كما أمره الرب, ولأن الصخرة كانت المسيح كما نقرأ فى (1كو10 : 4) وهو الذى ضُرِبَ إلى الصليب فى عمله الكفارى الذى تم مرةً واحدة؛ لا يُضْرَب أيضاً.
كانت واقعة ضرب الصخرة حداً فاصلاً فى خدمة موسى, فقد قالالربلموسىوهارون: منأجلأنكمالمتؤمنابيحتىتقدسانيأمامأعينبنيإسرائيل،لذلكلاتُدخلانهذهالجماعةإلىالأرضالتيأعطيتهمإياها.وعند هذه الحادثة غضب الله لعدم طاعة موسى لأمره بأن يكلم الصخرة فقط لا أن يضربها كما فعل, وكأن الله قد أحاله للتقاعد عن قيادة الشعب لأنه مع هارون لم يحترما أمر الرب, وأعلناللهعدمرضاهعلىموسى،وأنهلنيستطيعأنيدخلأرضكنعانقائداًللشعب.
الحية النحاسية:-
نتيجة التذمر الذى أبداه الشعب من أكل المن والذى أسموه "الطعام السخيف", والتذمر على ما مر بهم من أحداث طوال أربعين سنة أعالهم وأعاشهم الرب فيها وحماهم من أعدائهم ومن مخاطر كثيرة شديدة بالبرية, قرر الرب تأديب هذا الشعب بالحيات المنتشرة بالصحراء, والتى كانت نارية اللدغ لا ينجو منها من تطاله. وكعادة الرب دائماً؛ أوجد مع التأديب فرصة للنجاة رحمة بشعبه. فأمر موسى بعمل الحية النحاسية لينظر اليها كل من تلدغه الحيات القاتلة, فلا يموت كل من يلتفت اليها.
والحية النحاسية كرمز للرب يسوع المسيح على الصليب, نجد فيها أوجهاً للتشابه؛ منها:-
1.الحيةالنحاسيةكانتعلىشبهالحية الأولىالتيسبَّبتالموت. كذلكتجسَّدالمسيحفى " شِبْهجسدالخطية".الخطيةالتيسبّبتالموتللعالم. جاءالمسيحإلىعالمنامولوداًمنامرأة،مولوداًتحتالناموس.
"فَإِذْقَدْتَشَارَكَالأوْلادُفِياللَّحْمِوَالدَّمِاشْتَرَكَهُوَأَيْضاًكَذلِكَفِيهِمَا،لِكَيْيُبِيدَبِالْمَوْتِذَاكَالَّذِيلَهُسُلْطَانُالْمَوْتِ،أَيْإِبْلِيسَ " )عب2: 14).
2.الحيةالتيرُفعتفيالبريةكانتخاليةمنالسملأنهاكانتمننحاس أى من معدن له مواصفاتٍ تُمَيِّزُه،كذلككانالمسيحمعصوماًمنكلخطيةلأنهالإله المتجسد, وهو على كونه فى الجسد لم يختبر خطية ما, ولم يكن له من نقائص الإنسان ما يناقض قداسة الله المطلقة. أما جميع الأنبياء - موسى وغيره - فهم أيضاً كباقى البشر فى النقائص.
" الجَمِيع زَاغُوا وَ فَسَدُوا مَعَاً لَيْسَ مَنْ يَعْمَل صَلاَحاً لَيْسَ وَ لاَ وَاحِد" (رو3: 12).
3.رُفِعَتالحَيَّةُفيالبريةعلىمرأىمنالناس،كذلكصُلبالربعلىتلةالجلجثة،وهيتلةمرتفعة،فرآهكثيرونمنالبشر.و يمكن لكل من يُصَاب بعمل الشيطان, كلعليلبالخطيةيرفععينيهإليهينالالشفاء،إنهوآمنبكفارتهووضعثقتهفيه.
ولقدوردتكلمة "رفع" فى كلمات الرب يسوع عن نفسهفيانجيليوحنا مثلاً ثلاثمرات :-
- " وكما رفَعَ مُوسَى الْحَيَّة في البرِيَّة هكذا ينْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ اِبْنَ الانْسَان" (يو 3: 14).
- " فقالَ لهُم يَسُوعَ متَى رَفَعْتُم اِبْنَ الاِنْسَان فَحِينَئِذ تَفْهَمُونَ أَنِّي أَنَا هُو" (يو 8: 28).
- " وَ أنَاَ إِنْ إِرْتَفَعْتَ عَنْ الأَرْضِ أَجْذِبُ إليَّ الجَمِيعَ " (يو 12: 32 ).
فيكلمرةمنهاتشيرإلىالصليبوالمجدالذييليه. وفيهذهالمراتالثلاثنطقبهاالرب يسوعالمسيحعننفسه،فكانصليبالمسيحرِفْعةًله،يتَمَجَّدبه،ليراهكلُّخاطئٍمتعَببخطاياه،وكلُّمنلدغتهأفعىالخطية،لينالالخلاص.
4.النظربالعينالماديةكانواسطةالشفاءمنلسعةالحية. والنظرالروحيبالإيمانللمسيحالمصلوبهوواسطةالشفاءالروحي.وكلمنينظرإلىالمسيحالمصلوبمنأجلخطاياهينالغفرانالخطية.
"التَفِتُوا إليَّ و اخْلُصُوا يا جَمِيعَ أَقَاصِي الأَرْض لأَنِّي أَنَا الله وَ لَيْسَ آخَر" (اش 45 : 22)
"نَظَرُوا إلَيهِ و اسْتَنَارُوا و وجُوهُهُم لم تَخْجَل" (مز 34 : 5).
1 - يوسف كرم, تاريخ الفلسفة اليونانية . الباب السادس الفصل الثانى. ص247الى252.
[2] - فؤاد محمد شبل, حكمة الصين دراسة تحليلية لمعالم الفكر الصينى منذ أقدم العصور. الجزء الأول. الباب الخامس مدرسة المُشَرِّعين الفكرية. الفصل 17 ص 273: 277.
1- جفرى بارندر, المعتقدات الدينية لدى الشعوب. ترجمة امام عبد الفتاح امام.مراجعة عبد الغفار مكاوى. الفصل الثانى مصر القديمة. فقرة 8 عبادة الحيوان. صفحة 51 .
[4]- صاحبت أغلب العبادات الوثنية القديمة طقوساً جنسية وربما كان اللعب هنا من هذا القبيل.
[5]- تشارلز ماكنتوش, مذكرات على سفر التثنية . شرح الكتاب. حاشية ص413 .
|